اليوم السادس عشر ، الغاز

16

 

 

في غزة، لا تستطيع النوم أو التفكير في النوم، وكيف يمكنك ذلك وأنت تشتم رائحة الدم في كل ركن وزاوية، تسمع قلبك ينبض بسرعة من عدم معرفة المجهول، عيونك لا ترى إلا الموت.

أصوات القصف من المدفعيات والطائرات بتزايد مستمر، أعداد الشهداء أصبحت تحصد بالمئات، الجرحى باللآلاف، قلبك مات، وحواسك لم تعد تسعفك أن تطيق أكثر، تجلس في منزل غير منزلك، يمر عليك الوقت كصخرة تجثو على صدرك لا يزيحها أعتى زلزال يمكن أن يهز الأرض.

لم يعد هناك لحظة فجأة تقع علي أحد في مدينتك، كل شيء أصبح متوقعا، وهذه المرة امتدت شيطنة القوات المحتلة أن تنال من كل مخلوق يتنفس على أرض غزة الصغيرة التي لا تتعدى 365 كم مربع، في السادس عشر من الحرب، وبالتحديد فجرا، اكتسيت السماء برداء دخاني، يتسرب إلى الأنف فيفور الدماغ من الرائحة التي تتملكه، رائحة قاتلة وخانقة تعصف بكل النيام، يهبوا إلى الشبابيك والأبواب يغلقونها، وينحدروا تحت نارين، نار فقدان الشبابيك جراء أي قصف لعدم فتحها، ونار أخرى بالاختناق من جراء  إبقاء النوافذ مفتوحة.

غازات سامة، أو ستار دخاني، أو غازات خانقة، لا تعرف بالتحديد ماذا يحتل السماء اللآن؟ كل ما تعرفه أن السماء بكل وسعها تحتاج أن يقطع بوابتها المزيد من الأرواح، لعلها تكتفي وتنتصر لكم.

تسأل نفسك بكل استهزاء، هل بوسعي أن أحلم؟

هل بإمكاني أن أعود إلى حيث المخلوق المجرد من التفكير، ومن الطغيان، حيث البحث عن طعام اليوم هو أكبر شاغل الإنسان، إنه لم يكن حتى يفكر ما هو تركيب الهواء الذي يتنفسه؟، ولا حتى بالماء التي يشربها، يستلقط من خباب الأرض وحيواناتها ويعيش ينفع نفسه ولا يضر غيره.

هل بإمكانك أن تعود حيث  العالم أنت وقلة تتآلف فيما بينها سعيا للتكامل؟، هل بإمكانك أن تهجر كل هذه الكذبة التي تنامت مع التخليد الفردي الآدمي لأفكار تغتال الإنسان، وتجعله مستأنس لغيره من البشر.

ماذا لو تخليت عن هذا السلام؟، وعدت فقط إلى الزمن الكوني الذي وفر لك سقف تنام تحته، لا يهم إن كان الهواء نظيفا، أو إذا تسرب إليه بعض الغاز، غير مهم إذا كان  الماء شحيح، وأن لا كهرباء ولا كل المكملات الحياتية التي فجرت الوحش الإنساني، فقط تعود إلى ما قبل هذه الحرب اللعينة، قبل أن تفقد أحجار منزلك التي تخفظ وجهك من العري.

ماذا لو أنك مت قبل أن تتراكم كل هذه الصور في رأسك، وقبل أن تربى حواسك على الإحساس بالموت أينماصوبتك عينيك أو حتى وجهت أنفك، حواسك لم تعد لك ولم تعد تخضع لسيطرتك تقودها القوة إلى ما هو أكبر من حجم هذه الدنيا من سعة. إنه الطغيان الذي يعدم فيك وفي كل من يعيش تحت سماء مدينتك كل ما يتفاعل من أعضاء جسدك.

تحاول أن تأمر أنفك، لا تشم، لا تشم، لا تشم،…

وتجبر عينينك على إعدام الرؤية والذهاب في التخيل، والتفكر في شيء واحد، ” أنا سأبقى حي” . 

Advertisements

About nataallh

"It is an attempt to be me"
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

2 Responses to اليوم السادس عشر ، الغاز

  1. gadeer2070 says:

    للهم انصر اهلنا في غزة

  2. gadeer2070 says:

    Reblogged this on gadeer2070 and commented:
    اللهم انصرهم

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s