– الثالث عشر – لا كهرباء، الرابع عشر-المجزرة، الخامس عشر -المكان الآمن

13و14و15 

اليوم الثالث عشر-لا كهرباء- 

24 ساعة مرت دون كهرباء، هذه إذا الحرب الحقيقية، تلغي كل ما يربطك في العالم، لتعيش فقط مع نفسك وتأكلها من الانتظار والخوف.

هل سيستمر هذا العدوان أكثر، هل سيمتد إلى ما بعد العيد؟

ذهنك مشغول بفكرة الوقت، ولا شيء آخر غير الوقت، مع انقطاع التيار بشكل كامل والانفصال قسرا عن كل وسائل التواصل، أنت أمام خيار واحد التصالح مع نفسك، وتمضية الانتظار بالأمل.

تتمركزون جميعا في بقعة واحدة، في الليل تتوحدون بجسد واحد، وفي النهار تبتعدون عن بعض من السنتيمترات تجنبا لتتشنج أطرافكم.

مازلتم تنتظرون، هاتفك المحمول صامد ويمكن أن يستمر ليوم يستقبل ويرسل قبل أن تنطفأ بطاريته.

لا تريد أن تجيب على هذا الرقم وهو يقول ” إلى سكان حي الشجاعية والزيتون، نطابلكم بإخلاء منازلكم فورا، باتجاه منتصف المدينة….الخ، جيش الدفاع الإسرائيلي”

تصمت، وتبلع ريقك، وتصرخ بداخلك : تبا لكم أيها الأوغاد، أين سنذهب؟، أين سنذهب تحت مدافعكم وطائراتكم وترسناتكم، هل ستتركونا نمر؟، هل تريدون أن تهجرونا قسرا من منازلنا، ألم تكتفوا بتهجيرنا مرة وثانية…

– من المتصل؟

تسألك والدتك وقلبها متمسك بالحياة؟

أرجوكم دعونا نخلي.

يصرخ أخوك في وجهك: هل نهرب؟، هل نترك منازلنا ينتهكونها، ويهدمونها؟.

تنزل رأسك أرضا سائلا: هل تمكن مني الخوف؟، هل فقدت الثقة بكل من حولي؟، ولا أملك أي خيار إلا  ترك كل ذكرياتي وكل تاريخي، وأفر..حتى لو فررت ، أخبروني إلى أين أذهب؟، هل سنتكدس في المدارس، وننتظر شفقة غيرنا علينا، إنه لعذاب أكبر من عذاب الموت.

يرن هاتفك مرة أخرى…

وتعاد الاسطوانة مرة أخرى.

تبتسم وأنت تسأل نفسك مرة أخرى ” ألهذه الدرجة يخاف علينا هذا الجيش البربري، يقتلنا بفكرة الإخلاء قبل قتلنا بمدفعياته وآلياته الحربية، ألا يعلمون أن منازلنا هي حياتنا.

تغلق الهاتف، وتتشكلون في كتلة جسدية واحدة تدعون الله أن، ينفخ فيها الحياة.

 

ليلة  الرابع عشر-المجزرة

كيف للغة أن تساعدك أن تكتب عما تراه عيناك، وكيف يمكن لمخيلتك أن تتمكن من رصد ما تشعر به على هذه الأوراق، إنك ميت، ميت بكل ما تعنيه الكلمة.

تتنفس لأن صاروخ لم يقسم رئتيك إلى نصفين، وترى لأنك تريد أن تقول أننا لا نحب الموت.

لكنك ميت.

تشتعل السماء غضبا، وتمطر الأرض أشلاء تتطاير على الأرصفة والطرقات، أصبحت الحياة هاجسا يطارد الحالمين في مناماتهم، أما أنت وكل من يعيش بمخيلتك فميوتون، ولكن لم تصل أجسادكم ثلاجة الموتى بعد.

ليس هناك أي احتمالية بالبقاء حيا؟.

لا تستطيع أن تتحدث، أن تنظر في عين أحد، أو حتى تسمع الأخبار من خلال الراديو.

لا تعرف أين أنت؟

هل أنت مرمي على الرصيف جثة هامدة؟

أم أنك ملقى على بلاط المشفى جثة تنتظر الدفن؟

أو أنك مصاب ولم تستطع سيارات الإسعاف أن تصل إلى بقية جسدك الذي مازال يتنفس؟

أو أنك على أحد الأسرة تنتظر بتر أحد أطرافك؟

لا تقوى أن تفتح عينيك، ولا تقوى أن تحرك أي شيء في جسدك؟ فقط تدعو بقلبك – يا الله هل أنت معنا؟

تقف فجأة لتكتشف أنك  قطعت مسافة 2 كيلو متر، وتحمل في حضنك طفلين، تنظر عن يمينك لا أحد وعن يسارك لا أحد، تتفحص جسدك ترى الدماء تغرقك و مازلت لا تعرف هل أنت مصاب؟.

تفوح منك رائحة البارود، الدخان والدماء،  عيونك تبكي بنهم وأنت تسأل: هل أنا أنا؟، وتقول – لقد كنا سويا أين ذهبوا، أين ذهبوا، هل ركضت وتركتهم خلفي، كيف تركت أمي، كيف تركتها.

المشفى مممتلأ بالموتى قبل الجرحى، وصلت وأنت تحمل في كل يد من يديك طفل، تضعهم على الأرض، تنظر إلى ملائكيتهم وتبتسم: كيف خرجنا من تلك الملحمة؟

لم تستيقظ على نفسك مطلقا، ولم ترى كل الناس التي خرجت من بيوتها كما أمواج بحر متلاحقة، يتدافعون، يبكون ويخافون أن يتركوا وراءهم روحا تنال منها المدفعيات.

لم تستيقظ عندما سمعت صوت أول قذيفة يخترق حائط المطبخ في الطابق العلوي من المنزل، والشظايا تتناثر من كل حدب وصوب، انفرطتم وأصبح كل واحد يجري في اتجاه، تحاول أن تسمع أي صوت لكن، أين يأتي الصوت اللآدمي أمام صوت المدفعيات.

لم تستيقظ ووالدتك، تصرخ خذهم، احمل الصغيرين، واركض، اركض، وهي سقطت على الأرض..

لقد ركضت بقوة، ركضت تسابق طلقات المدفعيات، تحمل بين يديك الصغيرين، ولا تبالي بشي، لا تشتم رائحة البارود والدخان التي غطت سماء منطقة الشجاعية، ولا تسمع أصوات القذائف التي تنهمر على الأجساد فتوقعها جثثا مرمية على الطريق.

ركضت، وهاأنت الآن في المشفى، تضع الصغيران على الأرض، وتتعمق النظر إليهما، تقترب منهما، تسمع نبض قلبهما، تلمس وجههما، وتهزهما: لماذا تنامان؟ نحن هنا؟ خرجنا؟

– يغطا في النوم ولا أحد يجيبك، يتجه إليك عشرات من المواطنين.

الحمد الله على سلامتك، ربنا يصبرك.

أين الباقي، أين هم؟

تمشي في ساحة المشفى، تبحث عن أمك، أخيك، أختك، عن أي أحد من أفراد عائلتك.

-لقد نجوا، لا تقلق!

-كان صوت أحد جيرانك يخبرك أنه كان معهم.

تتنهد وتقول : هم لم يموتوا! .

-ذهبوا عند أقارب زوجة أخيك في شارع الثلاثيني.

تنظر إلى الصغيرين، وتركض باتجاه الثلاثيني، تريد لعينيك ألا تكذب أذنيك. 

 

الخامس عشر – المكان الآمن

مات الصغيران،

وتشتت الآخرون، وأنت أمامك خياران : المدارس ، أو البقاء في ساحة المشفى.

تتنهد بأسى: يا الله، إني منهك حد الموت!.

وتسأل نفسك: هل أستطيع أن أبقى في ساحة المشفى؟، هل أستطيع أن أرى الشهداء يعدون عبر وسائل الأعلام كأرقام في سباق وتتزايد؟، هل سأستطيع أن أرى كل هذه الأشلاء التي تفقد أصحابها، وتتجه إلى المشفى على الأسرة، أو الأجساد التي يخترقها الموت فتقهره، فيتركها بآلام لا توصف جراء بتر، شلل، أو عجز.

هل سأستيطيع أن أتحمل عدد الشهداء 450 الذي يتزايد بهذا الشكل المفرط، وأنتظر مجهول.

إن ساحة المشفى، ثلاجة موتى تلف من فيها بكفن أبيض لا تدفنهم فيه، بل تجلدهم حتى آخر ذرة وجع، ساحة المشفى ألف وألف قصة لم تكتمل وسرقت من أحواض الورد قبل أن تزهر، ونثرت في كل زاوية منها من ينتظر الدفن ومنها من يحترق بالألم.

ساحة المشفى هي الموت الذي لا أريد لنفسي، تتلو هذا على النفس وتفكر بالمدارس.

-أين سأذهب؟

إلى المدارس

يصرخ داخلك بكل قوة: لا، مستحيل!!

مت ولا تذهب،

 تلك المساحات الضيقة تميتك ببطئ، إنها تستل منك كل ما يمكن أن يبقى في روحك من كرامة، إنها تجمعات تحرم الإتسان آدميته وإنسانيته، يمنون على من يتجه إليها بمساحات لا تتسع حتى لربع النازحين إليها.

ويصرخ داخلك مرة أخرى: لا، المدارس لا.

المدارس وَهم، هي ليست مكان آمن، وليس هناك في غزة أي مكان آمن، يقصفون في كل حارة وكل شارع، يجتاحون عمق الحدود لأكثر المناطق السكانية كثافة ويمطرون مبانيها، أشجارها، سكانها بالقذائف، المتفجرات، والغازات السامة..والمدارس ليست بمنأى عن كل هذا، وكل مكان آخر ليس بمنأى عن هذا في غزة…

إذا أين سأذهب؟

تسمع صوت، تتحسس بنطالك، إن هاتفك يرن، لقد صمدت بطاريته حتى اللحظة، بل صمد وبقي بجيبك رغم ركضك العنيف.

-كيفك، أين ذهبت، اصمت واتجه إلى منزلي!

لا تفكر، وتذهب إلى وسط المدينة

وداخلك ما زال يردد، لا مكان آمن إلا بوابة السماء.

 

Advertisements

About nataallh

"It is an attempt to be me"
This entry was posted in Uncategorized. Bookmark the permalink.

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s